محمد أبو زهرة
4515
زهرة التفاسير
المستيقن المذعن ، فاللّه سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعلم عدتهم بعد مرور هذه القرون على بعثهم من الكهف ، وموتهم الموتة الأخيرة التي يكون بعدها البعث والقيامة ، والجزاء ، ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ، أي ما كانت حالهم يعلمها عدد كبير تتناقله الأجيال تناقل جمع عن جمع حتى يبلغ حد التواتر المقطوع به ، بل كانوا وجهادهم الأول عددا قليلا ، وفي انبعاثهم لم يعلمهم إلا عدد قليل ؛ الملك ومن يحيط به من حاشية ، إن كان الملك قد علم ، أو من تولوا إقامة المسجد حول قبورهم . وإذا كان الذين تحملوا العلم بأمورهم عددا قليلا فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً ، « الفاء » للإفصاح كما رأيت ؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر ، المراء المجادلة برد ما يقول الخصم ، والمراء منهى عنه لأنه يجر إلى قول الباطل ومجاراة الخصم ، وكل مراء يجعل كل متكلم متعصبا لما يقول ؛ لأنه يستمسك برؤيته هو من غير التفات إلى رؤية غيره ، وقد تكون هي الحق ، فهو عماية عن النظر الكامل بمعرفة الأمر من كل وجوهه ولكن استثنى المراء الظاهر ، وأميل إلى أنه استثناء منقطع ، ولكن سمى مراء من قبيل المشاكلة اللفظية ، ومعنى المراء الظاهر ألا يحاول تعرف مقدمات قوله ، أو الأدلة عليه ؛ لأن أسباب العلم غير متوافرة ، فليكتف بما ذكر القرآن وهو الصادق الذي لا ريب وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ، الضمير في مِنْهُمْ يعود على ما يعود إليه الضمير في قوله تعالى : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ . . . والظاهر أنهم أهل الكتاب من نصارى نجران ، وغيرهم من أهل الإنجيل . والاستفتاء معرفة الفتوى ، أو الحكم ، أو القول الصادق ، أي لا تحاول معرفة أحوال أهل الكهف من هؤلاء النصارى الذين يعاصرونك ؛ لأنه بعد أن حرفوا ما حرفوا ، صارت أخبارهم غير موثوق بها . وإن أحوال أهل الكهف ، وأخبارهم من شأنها أن تربى الإيمان في قلوب المؤمنين ؛ ولذا ناسب هذا أن يأمر اللّه تعالى بالتفويض ، وأن يعلم المؤمن أن الأمور لا تسير إلا بإرادة اللّه تعالى ومشيئته ، وأن يذكر اللّه دائما فقال تعالى :